العرب في صقلية

 

العرب في صقلية

بسم الله الرحمان الرحيم والصلاة والسلام على خاتم لأنبياء والمرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين.

وبعد                       

تعاقب على صقلية مجموعة من الحكام منذ الفتح إلى السقوط وساهموا في بناء صقلية معماريا وعلميا وفلاحيا، وإن تفاوتوا في حجم البناء، وحاول الحكام أن يوازنوا بين الفتوحات وتثبيت دعائم الحكم، فكم استمر الوجود العربي في صقلية؟ ومن تعاقب على حكم الجزيرة الصقلية؟ وبماذا تميزت فترات حكمهم؟

في المقال السابقة عرفنا بالجزيرة الصقلية وبعض مميزاتها الجغرافيا، وذكرنا ملامح عامة على الوجود العربي في تلكم الرقعة الجغرافيا، واليوم بإذن الله نفصل أكثر في مراحل الوجود العربي، فأقول إن الوجود العربي هناك استمر ما يقارب ثلاث قرون، وتعاقب على الحكم مجموعة من الحكام، بدءا بالدولة الأغلبية التي كان لها الفضل في فتح معظم المدن الصقلية، والأغالبة هم عرب من تميم أسندت لهم ولاية إفريقية زمن بني العباس، واستغرق حكمهم في صقلية منذ الفتح سنة 212/ه على يد القائد أسد بن الفرات، حتى سنة 297/ه، وساهموا في بناء صقلية من جميع النواحي وخاصة المجال العلمي فبنوا المساجد وأكرموا وفادة العلماء ونشطوا في مجال الزراعة، فنقلوا مجموعة من الأشجار وغرسواها هناك، وأقاموا الأسواق التجارية واستقلوا ماديا، وعاشت معهم الأقلية المسيحية في سلام وأمان فلم يكونوا يأخذوا من النساء ولا الرهبان الجزية[1].

ولما تولى الحكم الفاطميون في إفريقية على يد أبي محمد عبيد الله بن محمد ابن جعفر المهدي سنة سبع وتسعين ومئتين للهجرة، سارع إلى بعث عماله في النواحي، فبعث الحسن بن محمد إلى صقلية في نفس السنة، ولكن ولاة الفاطميين لم يرضهم الناس حكاما لهم فكانت الثورات الشعوبية هي الغالبة على هاته الفترة، منذ سنة 297/ه حتى 336/ه حينما تولى أمرهم أبو الغنائم الحسن بن علي الكلبي، وكانت بداية حكم الكلبيين بالتوارث حتى سنة 435/ه.

وفي زمن الكلبيين استقر الوضع وانتشر العلم ونشطت الرحلة العلمية وقصد صقلية مجموعة من العلماء، وأعفي العلماء من الجهاد، يقول إحسان عباس" في أيام الكلبيين تمتعت صقلية بشيء من الاستقلال الذاتي مصحوب ببعض السيطرة من الفاطميين، وكان هذا الوضع السياسي ذا مظهرين: أما الأول فقد تبلورت في صقلية جهود علمية خاصة، وأصبح الجيل الناشئ من أبناء الفاتحين صقلي الروح والإنتاج، إلى حد ما،

وأما ثانيا: فقد أصبحت القاهرة تشارك القيروان في توجيه الحياة الثقافية في الجزيرة. وفي هذه الفترة أعلنت "برم" عن وجودها الثقافي والعقلي وأصبحت تذكر مع القاهرة والقيروان وقرطبة، وأضحى لها علماء وأدباء يهاجرون إلى الأندلس ومصر وشمال إفريقيا"[2] انتهى

 

ومهما كان تعليل إحسان عباس فإنه يؤكد لنا أن صقلية استقلت فكريا زمن حكم الكلبيين إذ أعطوا أهميَّةً خاصَّةً للعلم والعلماء، وكانت صقلِّيَّةُ مقصداً للعلماء من نواحٍ مختلفةٍ، فقصدَها من القيروان الفقيهُ المعروفُ خلف بن أبي القاسم الأزدي البراذعيّي، وقصدَها من الأندلس شيخُ المحدِّثين أبو الرَّبيع سليمانُ الأندلسيُّ، وأبرز مَنْ قصدَها من علماء اللُّغة من أهل القيروان ابنُ البَرِّ أبو بكرٍ محمَّد بن عليّ بن الحسن (ت459هـ)، وعلى يديهِ تتلمذ أحدُ أبرز علماء اللُّغةِ الصقلِّيين، وهو ابن القطَّاع الشَّاعرُ المعروفُ واللُّغويُّ المبرَّزُ (ت 514هـ) ، ونزل بها من علماء اللُّغةِ الأندلسيِّين أبو العلاء صاعد بن الحسن الربعيُّ (ت 417هـ، وقصدها موسى ابنُ أَصْبَغ المراديُّ القرطبيُّ اللُّغويُّ الأديب، وأنتجت صقلِّيَّةُ علماء كثيرين من أبرزهم قاضي مكَّةَ أبو الحسن علي بن المُفَرِّج بن عبد الرَّحمن الصِّقلِّيُّ (ت 470هـ) الَّذي خرجَ إلى مكَّةَ فوليَ قضاءَها، ومنهم علي بنُ حمزةَ الصِّقلِّيُّ، وكان متصرِّفاً في علوم ٍشتَّى، وأقام في الأندلس قبل الأربعين وأربعمئةٍ للهجرةِ، وغير هؤلاء كثيرٌ من العرب الصِّقلِّيِّين.

وفي سنة 435/ه ثار أهل (بلرم) إحدى مدن صقلية على الصمصام آخر أمراء الكلبيين، وانفرد قادة الجند بالبلاد ووزعوه فأخذ كل واحد طرفا من الجزيرة الصقلية، وتفرق المسلمين مؤذن بخرابهم، فصار الوجود العربي في صقلية إلى الاضمحلال، حيث بدأت بينهم مناوشات وثاروا على بعضهم، وفر المهزوم منهم إلى العدو وساهم في دخوله إلى صقلية، وانتهى الحكم العربي، وجاءت مرحلة التعايش العربي تحت حكم النورمان، ولنا وقفة بإذن الله مع كل مرحلة من هذه المراحل...

ظلت صقلية إسلامية فترة ليست بالهينة وعاش فيها المسلمون بأمن وأمان وخدموا فيها الإسلام، ونشروا العلم، كما خدموا الناشئة وعلموهم القرآن ومبادئ العربية حتى تخرج منها علماء كبار في ميادين شتى، وللأسف ابتعدوا عن الدين لما أدخلهم الترف وتكاسلوا على الجهاد، وتطاحنوا فيما بينهم، فضاعوا وضاعت معهم صقلية وعلومها فإن ما وصل إلينا من علم وآداب لا يعكس المستوى الذي كانت عليه صقلية، وهذا حال المسلمين إذا فرطوا في أمر الله ورسوله قال تعالى (فليحذر الذين يخالفون عن امره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب اليم)، فاللهم ابعد منا الفتن ماظهر منها وما بطن.

 

 



[1] الشعر العربي في صقلية واتجاهاته أسامة اختيار ص9.

[2] العرب في صقلية, إحسان عباس ص 79

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة