فتح المسلمون صقلية
بعد جهد كبير ومحاولات عديدة بدءا من أول محاولة قام بها معاوية بن أبي سفيان رضي
الله عنه، ومنذ ذلك الحين والمسلمون يبحثون عن الفرصة السانحة لدخول صقلية،حتى كانت
الفرصة زمن العباسيين حينما تمكن المسلمون من نشر الإسلام في إفريقية والاندلس...
فكيف كان فتح صقلية؟ وعلى يد من فتحت؟ وما هي الصعوبات التي واجهها المسلمون في
هذا الفتح؟
حاول المسلمون فتح صقلية مرات عديدة أولاها زمن معاوية
وكانوا دائما يصطدمون بقوة الروم وأسطولهم الكبير حتى كان زمن العباسيين، وتمكنوا من بسط
سيطرتهم على إفريقية والأندلس فبدأوا يتشوقون إلى فتح صقلية، وكانت بين البطريق
قائد صقلية والمسلمين هدنة من شرطها أن من دخل من المسلمين إلى صقلية وأراد الرجوع
فله ذلك، ولكنهم نقضوا العهد وأخذوا المسلمين أسرى فبلغ ذلك زيادة الله الأغلبي، فجمع
العلماء واستشارهم في الأمر فأشاروا إليه بالخروج إليهم لغزوهم، بعد أن طلب الأسرى
فرفضوا ردهم إليه، فجهز جيشا فيه عشرة الآلاف مقاتل، وجعل عليه أسد بن الفرات قائدا،
فقال أسد بن الفرات من بعد النظر في الحلال والحرام تعزلني من القضاء وتجعلني
أميرا فقال له "زيادة الله" لا ولكني وليتك الإمارة وهي أشرف، وأبقيت لك
القضاء فأنت أمير قاض، فخرج رحمه الله قاصدا صقلية، وقد خرج معه إلى سوسة خلق كثير، إذ أمر زيادة الله أن لا يبقى أحد من رجاله إلا خرج لتوديعه، وقال أسد نصيحته
الذهبية وهي قوله: "يا معشر الناس ما ولي لي أب ولا جد ولا رأى أحد من سلفي
مثل هذا ولا بلغت ما ترون إلا بالأقلام فأجهدوا أنفسكم فيها وثابروا على تدوين
العلم"[1].
وتقولوا المصادر بأن رجلا يدعى "فيمي" فر من
بطريق صقلية نتيجة خلاف معه وطلب من "زيادة الله" أن يدخل صقلية محاولة
منه القضاء على البطريق[2]
ونزل أسطول المسلمين صقلية واستطاع أن يستولي على عدة
حصون في وقت وجيز، وأن يغنم غنائم كثيرة، واستمر في التقدم حتى وصل إلى سرقوسة،
وفي هذا الوقت وصل أسطول النجدة من القسطنطينية، وعدد المسلمين في نقصان لأن أسد
بن الفرات يترك في كل حصن فتحه عددا من الجيش لضبط الحصن وحمايته، إضافة إلى تفشي
الأمراض والأوبئة التي ساهمت في ضعف المسلمين، ومات منهم رجال من بينهم الأمير "أسد
بن الفرات" رحمه الله وهو في حصار سرقسطة سنة ثلاثة عشر ومائتين وقيل أربعة
عشر ومائتين للهجرة، واختار المسلمون محمد بن أبي الجواري أميرا عليهم، وبعد وفاته
اختير "زهير بن الغوت" خلفا له،[3]واستمر المسلمون في مقاومة الجوع
واليأس والأمراض حتى جاءت تعزيزات من إفريقية والأندلس، فتوج ذلك بفتح مدينة
"بلرم" سنة ستة عشر ومئتين للهجرة، وبذلك بسط المسلمون سيطرتهم على
صقلية وسهل عليهم فتح ما تبقى من الجزيرة، وجعل زيادة الله الأغلبي أمر الجزيرة
لابن عمه "أبي فهر محمد بن عبد الله"، وهكذا استطاع العرب أن ينشروا
الإسلام في جزيرة صقلية، ودام الحكم العربي ما يزيد عن قرنين من الزمن...
لم يكن الدخول إلى صقلية مفروشا بالورود، بل كان فتحا
صعبا ومرهقا للمسلمين ومات عدد كبير من المجاهدين، نظرا لقوة المدد الذي يأتي من
القسطنطينية، ولاشتغال المسلمين بالفتن التي تشتعل بين الفينة والأخرى في
إفريقية...
[1] تراجم
أغلبية من ترتيب المدارك لعياض، تحقيق محمد الطالبي، ص 70.
[2] العرب في صقلية إحسان عباس ص32.
تاريخ صقلية، د/ احمد عزيز، ص 21 [3]
تعليقات
إرسال تعليق