صقلية الإسلامية Sicile
بسم الله الرحمان الرحيم والصلاة والسلام على سيدنا محمد
خاتم الأنبياء والمرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين
وبعد
صقلية الإسلامية
تعد جزيرة صقلية من البلاد التي عاش فيها المسلمون حينا
من الدهر، وبسطوا سيطرتهم عليها، وتركوا فيها بصمتهم، وأبدعوا في مجموعة من
المجالات، وأهمها المعمار، فلا زالت بناية المسلمين شاهدة على حضارتهم إلى عصرنا
هذا، ففي أي مكان تقع صقلية؟ وما هي الفترة التي حكمها المسلمون؟ وهل أنتج
المسلمون إرثا معرفيا هناك؟
تقع جزيرة صقلية شمال إيطاليا حاليا، وهي من جزر البحر
المتوسط، وهي قريبة من الوطن العربي، إذ تقابل بر طرابلس من إفريقية، وهي من أكبر
الجزر حيث تبلغ مساحتها خمسة وعشرون ألفا وسبعمائة عشرة كيلو مترا.
وصقلية اسم لإحدى مدنها فنسبت الجزيرة إليها، وهي جزيرة عظيمة
ضخمة حصينة خطيرة قيل إن فيها مائة وثلاثين بلدا بين مدينة وقلعة، وقال فيها
"الشريف الإدريسي" عيونها جارية متدفقة وفواكهها كثيرة، ومبانيها
ومنتزهاتها حسنة، تعجز الواصفين وتبهر عقول العارفين، وهي بالجملة فتنة للناظرين.[1]
قال فيها ابن حمديس الصقلي:
ذكرت صقلية والأسى،،،
يهيج للنفس تذكارها
فإن كنت أخرجت من جنة،،، فإني أحدث أخبارها
ولولا ملوحة ماء البكا ،،، حسبت دموعي أنهارها[2]
وفتح المسلمون صقلية سنة اثني عشرة ومائة 112/ه للهجرة، بأمر
من زيادة الله بن إبراهيم بن الأغلب، وساعده على ذلك فيمة البيزنطي قائد جند
صقلية، إذ هرب إلى إفريقية خوفا من البطريق حاكم صقلية، بعد أن فشل في التورة عليه،
فاستغل زيادة الله هذا الوضع، وولى على الجيش أسد بن الفرات، فخرج إلى صقلية،
وسارع عرب إفريقية والأندلس إلى مده بالجند والمراكب فنزل صقلية وتوغل فيها حتى
وصل إلى سرقوسة واستشهد هناك سنة ثلاث عشرة ومئتين للهجرة، بعد أن مهد لفتحها، وسار
الولاة على نهجه حتى اكتمل الفتح.[3] واستمر الوجود العربي إلى
سنة 444/ه.
وخلف المسلمون إرثا ثقافيا كبيرا إذ نشطت الرحلة العلمية
وقصد صقلية مجموعة من العلماء وخرج عدد من أبنائها لطلب العلم، كما هو الشأن لأبي
الحسن علي بن عبد الرحمان البلنوبي الذي قصد مصر وعاش فيها ودرس في مجموعة من
الفنون أهمها علم الصرف والعروض وله كتاب أبنية الأسماء والأفعال والمصادر، وديوان
شعري مطبوع، ومن أشهر شعراء صقلية ابن حمديس الصقلي الذي عاش متنقلا ما بين
الأندلس والمغرب وتونس والجزائر حتى توفي رحمه الله.
وكان المذهب السائد في جزيرة صقلية هو المذهب المالكي،
وهذا غير مستغرب لأن فاتح صقلية أسد بن الفرات أحد ركائز المذهب المالكي في
إفريقية، ولا زالت صقلية في حاجة إلى البحث والتنقيب والجمع لمجموعة من العلوم،
ولعل الله يوفق من يدرس هذه الرقعة الجغرافيا، ففي المجال الأدبي هناك جهود
لمجموعة من الباحثين على سبيل المثال لا الحصر
الباحث أسامة اختيار مؤلف كتاب "الشعر
العربي في صقلية اتجاهاته وخصائصه" والباحث إحسان عباس له كتاب " العرب
في صقلية دراسة في التاريخ والأدب" وحقق ديوان ابن حمديس الصقلي، والدكتور
عزيز أحمد له بحث بعنوان: " تاريخ صقلية الإسلامية"...
جزيرة صقلية من الأماكن التي استقر فيها المسلمون ما
يناهز ثلاثة قرون، فخدموا صقلية من كل النواحي بنوا المساجد، وجلس الحفاظ
في الكتاتيب لتعليم الناشئة القرآن الكريم وعلوم العربية...
فتراث هذه الرقعة لا زال حبيس الرفوف ينتظر باحثين أكفاء
يخرجونه إلى القراء، وخاصة الفترة الذهبية إبان حكم الكلبيين...
[1] نزهة المشتاق في اختراق الآفاق، ج:2 ص 591.
[2] الروض المعطار في خبر الأقطار، ص 368.
[3] المسالك والمماليك، ص 51.
تعليقات
إرسال تعليق